الجصاص

90

الفصول في الأصول

لصدقه ، فمن دونه من الناس أحرى أن لا يقبل خبرا إلا بمقارنة الدلائل الدالة على صدقه ، وبأن خبر الواحد لو كان مقبولا من قائله بلا دلالة توجب صحته ، لكانت منزلة المخبر عن النبي عليه السلام أعلا من منزلة النبي ، إذ لم يجز قبول خبره إلا بعد إقامة الدلائل الموجبة لصدقه ، وجاز قبول خبر غيره بلا دلالة تدل على صدقه . والجواب وبالله التوفيق : أنه ليس في هذه الآيات ما ينفى قبول خبر الواحد ، وذلك : أن الحكم بقبول خبر الواحد عندنا حكم يعلم من حيث أقام الله تعالى لنا الدلائل الموجبة لقبوله ، والحكم به ، فغير جائز لأحد أن يقول : إن الحكم بخبر الواحد حكم بغير علم ، وإنه قول على الله بغير حق ، وليس هذا أيضا حكم بالظن ، لأن الدلائل الموجبة للحكم به قد أوقعت لنا العلم بلزوم قبوله ، فهو حكم بعلم ، كما نقول في الحكم بشهادة الشهود : إنه حكم بعلم ، ولا يجوز أن يقال : إنه حكم بغير علم ، وإنه اتباع ظن بلا حقيقة ، وإن كنا لا نعلم صدق الشهود من كذبهم ، إذ كان الله تعالى قد أمرنا بقبولها والحكم بها ، كذلك قبول خبر الواحد ، وهو قول الله تعالى بما قد علمناه ، وحكم بالحق دون الظن . وأيضا : فإن العلم على وجهين : أحدهما : على الحقيقة . والآخر : حكم الظاهر وغلبة الظن . والدليل على ذلك - وأنه يسمى علما : قوله تعالى : ( فإن علمتموهن مؤمنات ) ( 1 ) ومعلوم أنا لا نحيط علما بما في ضمائر هن ، وقد سمى الله تعالى ما ظهر لنا من أمرهن علما ، وقال تعالى حاكيا عن إخوة يوسف : ( إن ابنك سرق ، وما شهدنا إلا بما علمنا ، وما كنا للغيب حافظين ) ( 2 ) فسموا ما غلب في ظنونهم من غير إحاطة منهم بغيبه وحقيقته علما ، لأنه لم يكن يسرق في الحقيقة ، وقال النبي عليه السلام لمعاذ رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن ( أعلمهم أن الله تعالى فرض عليهم حقا في أموالهم ، يؤخذ من أغنيائهم ، ويرد على فقرائهم ) فسمى إخبارهم إعلاما ، وإن لم يقع لهم العلم بحقيقة مخبره . وكالشهود إذا شهدوا بحق ، حكمنا بقولهم بظاهر العلم ، حسب ما يغلب في ظنوننا من صدقهم ، وإذا كان اسم العلم قد يطلق على غلبة الظن وما تقتضيه الحال ، وكان خبر